arabdjn

صحافة البيانات.. فرص وتحديات

بقلم: محمد وليد بركات

على مدار ثلاثة أيام.. شرفت بحضور فعاليات مؤتمر “صحافة البيانات في غرف الأخبار العربية”، الذي أقامته “شبكة صحفيي البيانات العرب” في رحاب الجامعة البريطانية بمصر، خلال الفترة من 23 إلى 25 مارس 2019، بحضور أكثر من خمسمائة صحفي وباحث وطالب، في مجالات الصحافة والإعلام، وبمشاركة العديد من المؤسسات العالمية والعربية، منها: “مبادرة جوجل للأخبار”، و”هنا ليبيا” التابع لراديو هولندا، وشركة إنفوتايمز، و””Data Aurora، ومؤسسة “أبعاد” لإنتاج المحتوى الرقمي، والسفارة الكندية بالقاهرة.

وقد شهد المؤتمر أكثر من عشرين جلسة نقاش وورشة عمل، حاضر خلالها أكثر من أربعين صحفيا ومدربا وخبيرا، مصريا وعربيا وأجنبيا.

كانت الخلاصة التي خرجت بها من فعاليات المؤتمر أننا أمام “فرصة” حقيقية في المهنة، وباب ينفتح أمام العشرات وربما المئات من الصحفيين، يحتاج إلى الكثير من الجهد لإنمائه وترسيخه كممارسة في مؤسساتنا الصحفية والإعلامية.

ولكن السؤال: هل نحن مبهورون بممارسة جديدة مقتبسة عن الإعلام الغربي؟

الإجابة هي أن “صحافة البيانات” ليست “موضة” نلهث وراءها، وإنما ممارسة مهنية عرفتها الصحافة الغربية والعربية منذ زمن، ولكن ثمة متغيرات جديدة أسهمت في “نحت” هذا المسمى، وإعادة تشكيل الممارسة، وزيادة أهميتها، والوعي بها.

ولعل أبرز تلك المتغيرات هو التطور التكنولوجي، وتقدم وسائل الاتصال، ووسائل حفظ البيانات وتخزينها ونقلها، ما أسفر عن ظهور مفهوم “البيانات الضخمة” Big Data، الذي يشير إلى ملايين أو مليارات من الـ Bytes، وبالتالي أصبحت الحاجة مُلحّة إلى توظيف هذه البيانات الضخمة في الصحافة والاستفادة منها.

أضف إلى ذلك ضيق وقت القارئ، وسعيه إلى التقاط الفكرة، بشكل واضح وسريع وجذاب في آن واحد، وهو ما يفرض على الصحافة تقديم معلوماتها بأسلوب عرض بصري جيد، في شكل رسوم معلوماتية، يُطلق عليها Infographics، وهي شكل من أشكال صحافة البيانات.

يتضافر مع مع سبق حرص الوسائل الإعلامية الاحترافية على الالتزام بالقواعد المهنية، وعدم السقوط ضحية للأخبار المزيفة، وبالتالي فإن تقديم قصص صحفية مدفوعة بالبيانات، أي قصة صحفية تقوم أساسا على بيانات دقيقة وموثقة، هي ممارسة مهنية معتبرة، وهي أيضا رافد من روافد صحافة البيانات.

مما سبق نستنتج أن صحافة البيانات تتخذ شكلين رئيسيين، هما القصة الصحفية المدفوعة بالبياناتData Driven News Story، والعرض البصري للبيانات Infographics، والذي قد يكون بدوره ساكنا وثابتا، أو تفاعليا. وقد يتم توظيف كل هذه الأنماط معا في قصة صحفية واحدة، وقد يستخدمها الصحفي في إعداد تحقيق استقصائي، أو في إنتاج ملف بتقنية “الوسائط المتقاطعة” Cross Media، بما يعني أن صحافة البيانات ليست بمعزل عن غيرها من الأشكال الصحفية الأخرى.

ويضيف الذكاء الاصطناعي أبعادا مهمة إلى صحافة البيانات، والذكاء الاصطناعيArtificial Intelligence (AI) يعني تغذية الآلة بأوامر عبر معادلات الحوسبة (الخوارزميات)؛ لتقوم بما يشبه السلوك الإنساني في حالات معينة، لتساعد الإنسان على أداء مهام قد تستغرق منه وقتا وجهدا كبيرين، وللذكاء الاصطناعي تطبيقات متعددة طبية وأمنية وصناعية، وكذلك تطبيقات إعلامية، منها: إنتاج نشرات أخبار بمواصفات معينة من حيث دقة المعلومات وطول الكلمات، وتحليل تعليقات الجمهور والسياسيين، وتحويل الصوت أو الفيديو إلى نص مكتوب، والبحث في قواعد البيانات عن كلمات مفتاحية بعينها، والمساعدة على إنجاز تحقيقات استقصائية معقدة في وقت أقل، وكشف التزييف والفبركة، وفضح الانتحال والسرقة وبالتالي حماية حقوق الملكية الفكرية، وأخيرا تقديم محتوى ملائم لاهتمامات المستخدم وتفضيلاته Personalized.

ولعلنا هنا نشير إلى أن صحافة البيانات تصلح للمواد الجادة Hard News، والخفيفة Soft News على السواء، فهي لا ترتبط بالمحتوى الاقتصادي أو السياسي فحسب، وإنما هي “أداة” يمكن للصحفي توظيفها كيفما شاء، شأنها شأن فن الخبر أو الحوار أو غيرهما. كما أنه لا يُقصد بالبيانات الأرقام والنسب وغيرها من البيانات الكمية فحسب، فهناك أيضا بيانات كيفية كالتصريحات والتغريدات التي تصدر عن القادة، والأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام، وتعليقات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وهي جميعا ثرية بالبيانات، وتصلح لتقديم قصص شيقة مدفوعة بالبيانات، وذات دلالات متعددة.

ولكي نكون عمليين، طرح المشاركون في المؤتمر عدة تصورات لتشكيل “فريق لصحافة البيانات” داخل المؤسسة الصحفية، ويمكن إجمال ذلك في اتجاهين رئيسيين:

الأول: هو أن يتم ذلك عبر فريق يتكون من صحفي أو أكثر، ومصمم Designer أو أكثر، ومطور Developer.

والثاني: هو أن يتم ذلك عبر صحفي، قادر على القيام بمهام المصمم والمطور.

ويرى أصحاب الاتجاه الأول أن تعدد الأشخاص يؤدي إلى تنوع الأفكار وثرائها، مع إتقان كل عضو بالفريق للجزئية التي تقع في نطاق تخصصه؛ لأنه من غير المنطقي عمليا أن يتقن شخص واحد مهارات وظائف الصحفي، والمصمم، والمطور، بكفاءة تامة. بينما يذهب أصحاب الاتجاه الثاني إلى أن هذا النمط الذي يطلق عليه One Man Crew يوفر الوقت والتكلفة المادية.

ويمكن تحقيق التوازن بين الرأيين بالقول بأن الصحفي عليه أن يُلمّ بأساسيات عمل المصمم والمطور، ليتمكن من توجيههما باعتباره قائد الفريق وصاحب القصة من الأساس، كما أن إجادته لمهارات التصميم، قد تساعده على إنجاز تصميم عرض بصري بسيط وجذاب لقصته بنفسه، بينما لا استغناء عن المصمم المحترف والمطور في حال تنفيذ قصة معمقة، ولاسيما إذا كانت تفاعلية، وهذا لا يعيب الصحفي، تماما كدور المهندسين والعمال في مطبعة الصحيفة، أو الفنيين في استديو قناة التليفزيون.

إذن يمكننا القول إن صحافة البيانات كأي مهارة، قابلة للتعلم، ويحتاج أي صحفي ليتعلمها الفضول وحب الاستكشاف، بالإضافة إلى أساسيات التصميم، والتعامل مع التكنولوجيا، والتعامل الإحصائي وفهم الأرقام والنسب، ناهيك عن المهارات العادية للصحفي كالبحث والتقصي والتحقق.

ولا يُشترط أن يكون الصحفي عالم بيانات، ولا متخصصا في الموضوع الذي تدور البيانات حوله (التسليح، الصحة، الاقتصاد..إلخ)، وإنما يكفي أن يفهمها فهما جيدا، بما يمكّنه من تحليلها، وعرضها وتقديمها للجمهور.

وطرح المشاركون عدة نصائح يُستحسن الأخذ بها لتقديم صحافة بيانات قوية واحترافية، منها أن صحافة البيانات ليست مجرد عرضا جذابا للبيانات، ولا هي إعادة عرض لما قدمته المصادر الأولية من قبل، وإنما يجب على الصحفي أن يُحلل البيانات، ويشرحها ويفسرها للقارئ، ويربطها بحياته ومستقبله ومصالحه المباشرة، فمثلا لا يقول أن معدل التضخم وصل إلى كذا، أو أن طول الطريق تم شقها هو كذا، ولكن يربط هذا التضخم بارتفاع الأسعار، ويقول إن طول الطريق يعادل المسافة بين مدينتي (س) و(ص) الشهيرتين عدد (ع) من المرات، وهكذا.

وحذر رواد المؤتمر من الوقوع في فخ البيانات المتحيزة، أو المتلاعب فيها، مؤكدين ضرورة تحري الدقة في الحصول على البيانات، وفي مراجعة منهجية جمعها، والتأكد من صحتها علميا، ثم شددوا على عدم انتزاع الأرقام والنسب من سياقها المجتمعي والزماني، حرصا على عدم تزييف وعي القارئ، أو تضليل الجمهور.

واشتبك المؤتمر مع الإشكاليات التي قد تعترض طريق “تيار” صحافة البيانات إن صح التعبير، وأولها دأب حكومات البلدان النامية على حجب المعلومات، وغياب القوانين التي تنظم تداولها بشفافية عن الدول العربية، عدا تونس والإمارات والأردن، وقد قدم البعض حلا لذلك يقوم على عدم وقوف الصحفي مكتوف اليدين، والسعي للحصول على المعلومات من مصادر بديلة، كالبيانات التي تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات المنبثقة عنها، وغيرها من الهيئات الإقليمية والدولية، والسجلات الحكومية الأمريكية، وهي جميعا مجانية ومتاحة على الإنترنت Open Access.

أيضا من الأمور التي تعرقل مسيرة صحافة البيانات، تضارب البيانات من مؤسسات مختلفة، حول نفس الموضوع، إما لاختلاف منهجية جمعها، أو لغياب الدقة عن عملية الجمع، أو لرغبة في “تجميل” الواقع، وهنا من الواجب على الصحفي مقارنة البيانات ببعضها، وسؤال المؤسسات عن سبب هذا التضارب، والحرص على تفسيره للقارئ، فإذا لم تقدم المؤسسات تفسيرا منطقيا، فإن ذلك قد يكون من حُسن حظ الصحفي، إذ قد يقوده إلى قصة مثيرة حول “تضارب البيانات الرسمية”.

أضف إلى ما سبق غياب البيانات التي توثق بعض الظواهر المستجدة، والتي قد لا تضم قواعد البيانات الدولية شيئا عنها، كنوع من الجرائم الشاذة مثلا، وهنا قد يكون من المفيد أن يرصد الصحفي بنفسه الأخبار التي نشرت عن هذا الموضوع بنفسه، ويقوم بتنظيمها وأرشفتها، صانعا قاعدة بيانات خاصة به.

الإشكالية الأخرى كانت مقاومة التغيير داخل بعض المؤسسات الصحفية، التي قد ترفض قياداتها تدريب صحفييها على مهارات صحافة البيانات وانخراطهم في نمط غير معتاد، ولكن في المقابل، يسرت المصادر المتاحة والمجانية فرصة للتعلم عبر الإنترنت، ناهيك عن بضعة مؤتمرات ومبادرات في مجال صحافة البيانات حول العالم، منها ICIJ و GIJN.

وفي النهاية يظل الصحفي صحفيا، وتظل القصة الصحفية والمعلومة الدقيقة، “بطل” المهنة، أما الأدوات الحديثة فلا تصنع صحفيا، ولكنها تساعده على جمع البيانات، وتنظيمها، وتحليلها، وعرضها، لكنه في النهاية يقودها ولا تقوده، ويملكها ولا يجب أن تملكه.  

 

 

أضف تعليق