arabdjn

مؤتمر arabdjn19: صناعة صحافة عميقة في ظل ضعف وزيف المحتوى

بقلم: سجى مرتضى

في عالم عربيّ تعاني فيه الصحافة من تقييد الحريات ومنع الوصول إلى المعلومات وأزمات في التمويل وتراجع كبير في المضمون، عقدت شبكة “صحفيي البيانات العرب” مؤتمرها السنويّ الثاني “صحافة البيانات في غرف الأخبار العربية” في الجامعة البريطانية في القاهرة بين 23 و25 مارس 2019، في محاولة منها لنشر مفهوم “صحافة البيانات” الذي أصبح حاجة ملحّة على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية تقديمه لإثراء المضمون.

على مدى ثلاث أيام، اجتمع أكثر من 300 صحفي مصري وعربي وأجنبي، ليشاركوا في الحدث العربي الأوّل والوحيد الذي يعزز مفهوم “صحافة البيانات” بعيداً عن الأفكار المغلوطة التي تعتقد أن هذا النوع الصحفي هو مجرد “انفوغراف” في موضوع، أو “رقم” يدعم القصة.

افتتح المؤتمر بجلسة لخصت الفكرة الأساسية من العنوان العريض “صحافة البيانات في غرف الأخبار العربية”. على مدى ساعتين، تحدث عدد من أبرز صحفيي البيانات في العالم، عن كيفية “بناء فرق صحافة البيانات”، فالصحفي اليوم لم يعد يعمل وحيداً، بل يحتاج إلى مصمم ومبرمج وربما محلل، ليجتهدوا كفريق لتقديم محتوى صحفي مميز ونوعيّ. هذه الجلسة وجهت رسالة مهمة إلى كل المؤسسات الصحفية العربية، مكتوبة، مرئية والكترونية: “أسسوا فرق بيانات في غرف أخباركم لتقديم صحافة عميقة”.

الجلسة الثانية التي شاركت فيها، كانت تحت عنوان “عمل تصميمات بيانية فعالة ومؤثرة”، والتي قدمتها جرمان باتيا، الصحفية المتخصصة في البيانات والجرافيك، لتعليم الصحفيين على أساليب وأفكار مميزة كثيرة لتمثيل البيانات في قصصهم الصحفية بصرياً، لتقديم أعمال مؤثرة في الجمهور، وذلك من خلال عرض العديد من النماذج الأجنبية لقصص صحفية مدفوعة بالبيانات. أهمية هذه الجلسة تلخص في تعريف الصحافيين على أن هناك أساليب مبهرة لتصميم البيانات، أبعد وأجمل من “الانفوغرافيك العادي”.

وترافقت هذه الجلسة، مع ورشة عمل مهمة، عن “كيفية استخدام Tableau Public”، الأداة التي تساعد الصحفيين على تحليل وعرض البيانات بشكل تفاعلي ومؤثر. بالإضافة إلى جلستين محوريتين، الأولى أجابت على سؤال “كيف يمكن للبيانات أن تكون خادعة؟”، وهو سؤال مهم كنا بحاجة إلى الاجابة عليه في ظل انتشار “الأخبار المزيفة” والمضمون المفبرك والبيانات الكاذبة التي يستخدمها العديد من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية لخدمة بروبغندا معينة. والثانية تناولت “كيفية تحليل الخطاب الإعلامي”، وكيف يتمّ عرض البيانات الصحفية التي تحتوي على نصوص ضخمة. ليختتم اليوم الأول بإضافة الكثير من المهارات والأدوات للصحفيين،  والتي تساهم في زيادة معرفتهم لـ”صحافة البيانات”.

وانطلق اليوم الثاني من مؤتمر، بجلسة عامة بعنوان “ربط غرف الأخبار المحلية بالبيانات”، تناول فيها صحفيون عرب، واقع صحافة البيانات في بلدانهم، وأهمية تعزيزها في مؤسساتهم، في ظل تجاهل الكثير من المؤسسات الإعلامية العربية لهذا المفهوم تحت حجج عديدة، أبرزها ضعف التمويل وصعوبة الوصول إلى المعلومات.

وتضمن اليوم الثاني 7 جلسات وورش عمل تركزت على تعليم الصحافيين مهارات جديدة. تناولت ورشة العمل الأولى تحت عنوان “الفن والسرد القصصي المدفوع بالبيانات” كيفية تحويل فوضى البيانات والأرقام، الى بيانات مؤثرة وواسعة الانتشار بطريقة عرضها وسردها القصصي الممتع والجذاب. أمّا ورشة العمل الثانية، التي قدمها الصحفي الاستقصائي محمد الكوماني، علمت الصحفيين كيفية استخدام Google Public Data Explorer، وهي أداة مهمة تقدمها “غوغل” تساعد الصحفيين على الحصول على البيانات منظمة وعلى شكل رسوم بيانية لاستخدامها في مواضيعهم الصحفية.

وتنوعت الجلسات الأخرى في اليوم الثاني، ما بين “التنقيب داخل السجلات الأميركية العامة لانتاج قصص بيانية عن العالم العربي”، وكيفية صنع تحقيق استقصائي من خلال البحث عن البيانات، و”كيفية تسخير البيانات لتغطية قضايا الفئات المُهمشة”، وأهمية تقديم صحافة بيانات تتناول قضايا المرأة، وأخيراً جلسة تواكب الثورة التكنولوجية في عالم الاعلام تحت عنوان “صحافة الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة”.

وتمحورت جلسات اليوم الأخير من المؤتمر، بين كيفية الوصول إلى مصادر البيانات المفتوحة ونسج القصص الصحفية منها، وهو موضوع يصعّب على المؤسسات الصحفية والصحفيين استخدام حجة “صعوبة الوصول إلى المعلومات” لعدم تكوين فرق بيانات وتعزيز هذا النوع الصحفي، وبين جلسة عن “الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار المبتكرة”، وجلسة قدم من خلالها فريق موقع “انفوتايمز” عرضاً لأعمالهم المدفوعة بالبيانات ونصائح للصحفيين الذين سيعملون على مواضيع صحفية مدفوعة بالبيانات.

أمّا الجلسات الأخيرة للمؤتمر، تركزت على كيفية صناعة قصص اقتصادية مدفوعة بالبيانات، طرق الحصول على البيانات في الدول العربية، وأخيراً ورشة عمل عن “أدوات البحث للوصول لقواعد بيانات الفيسبوك” باعتبار أنّه موقع غني بالبيانات، ككل مواقع التواصل الاجتماعي الأولى التي نحمل عليها كل تفاصيل حياتنا ونشاطاتنا ومعلوماتنا.

وانهى المؤتمر فعالياته بحفل حضره كل المشاركين، تضمن تلخيصاً لكل الجلسات التي تضمنها المؤتمر، وكلمات مهمة لرئيس الجامعة البريطانية وعميد كلية الاعلام فيها ومؤسس “ِشبكة صحفيي البيانات العرب” عمرو العراقي، ولعدد من الصحفيين العرب، والذين أكدوا أهمية “صحافة البيانات” وشجعوا كل الصحفيين الحاضرين والمؤسسات الصحفية على تعزيز صحافة البيانات لتقديم محتوى صحفي عميق ومميز، في ظل الضعف والتراجع في المضمون.

ختام الحفل وزعت فيه جوائر للفائزين في الجائزة الأولى من نوعها في العالم العربي، والتي انقسمت بين “جائزة افضل قصص صحفية مدفوعة بالبيانات”، والتي فاز بالمركز الأول فيها الصحفي أحمد الشامي عن تحقيقه “كليوبترا.. صنعت خارج مصر”، وفي المركز الثاني الصحفية هاجر هشام عن  موضوع “الصرف الصحي .. تبرع لتحصل على حقك”. أمّا الجائزة الثانية كانت “أفضل سرد بصري للبيانات” فاز فيها الصحفي محمود الطباخ، عن موضوع “كيف طورت مصر أسلحتها؟”، والصحفي محمد واكد، عن موضوع “رحلة الجنيه”.

الفائزون في هذه الجائزة كانوا خير مثال لصحفيين اجتهدوا لصنع محتوى عربي مدفوع بالبيانات، بالرغم من كل الضغوطات التي يتعرضون لها، وضعف الامكانيات وعدم تشجيع المؤسسات لهذا النوع الصحفي المهم. والمؤتمر الذي عقدته “شبكة صحفيي البيانات العرب” كان أكبر دليل على الأمل الذي يسعى لزرعه في الصحافة العربية، فريق صغير بامكانيات متواضعة ولكن بطموحات وأحلام واسعة.

 

أضف تعليق